هيئة التحرير :
في زمن أصبح فيه المسؤولون يسارعون للاعتذار عند أول موجة انتقاد، ويهرعون إلى التفاعل مع كل تعليق على مواقع التواصل الاجتماعي، يبرز عمدة مدينة طنجة كحالة فريدة تستحق الدراسة… بل ربما تستحق التكريم أيضا لما حققه بفن اللا مبالاة ، فالرجل بكل ثبات يثبت يوماً بعد يوم أنه يتمتع بشخصية صلبة لا تهتز أمام أصوات المجتمع المدني، ولا تكترث لانتقادات المواطنين، ولا حتى لما تكتبه الصحافة.
ولعل هذا الصمود النادر يضعه في مرتبة خاصة بين المسؤولين ، فبينما قرر المدرب وليد الركراكي الذي جعل المنتخب المغربي يتبوء المرتبة الثامنة عالمياً تقديم استقالته بعد موجة انتقادات لم تكن أشد من تلك التي يتعرض لها عمدة طنجة، اختار سيادة العمدة طريقا آخر وهو طريق الصمود الأسطوري فوق الكرسي.
ولكي تكتمل الصورة، أعلن رئيس الحكومة عزيز أخنوش أنه لن يترشح لولاية أخرى وسيعتزل العمل السياسي، لكن يبدو أن مدرسة طنجة مختلفة تماما .. فالعمدة على ما يبدو، يستعد بثقة لخوض انتخابات جديدة، غير آبه بما يقال عن شعبيته ، فالشعبية كما يبدو، مفهوم قابل لإعادة التعريف.
ولنتذكر جميعاً لحظة تاريخية أخرى، عندما تدخل والي جهة طنجة تطوان الحسيمة يونس التازي لإعادة تهيئة ساحة سور المعكازين، متجاوباً مع ما كتبته الصحافة وما عبّر عنه رواد مواقع التواصل الاجتماعي. خطوة اعتبرها البعض استجابةً لمطالب المواطنين… لكن ربما يراها العمدة بشكل مختلف ، رضوخ غير مبرر قد يهدد هيبة المسؤول.
أما في ما يتعلق بظاهرة الحفر التي انتشرت في شوارع طنجة بشكل غير مسبوق، فقد كان تعامل العمدة معها درساً في الثبات الإداري. فبين أغنية ساخرة بعنوان “العمدة مسافر وطنجة خفافر”، وسكيتشات كوميدية، وروبورتاجات صحفية، وشكاوى المواطنين… ظل موقف العمدة ثابتاً لا يتغير وكأنه يمثل مدينة موجودة بكوكب زحل .
إنه موقف فلسفي عميق .. عندما تتكاثر الأصوات، يكون الحل الأبسط هو تجاهلها جميعاً ، وهذا ما يركز عليه الكتاب الوحيد الذي يبدو أن العمدة يحفظه ظهرا عن قلب “فن اللا مبالاة” هكذا تتحقق المساواة الحقيقية بين المواطنين ، فلا فرق بين من يشتكي ومن يسكت، ولا بين الصحفي والناشط والمواطن العادي ، الجميع متساوون أمام صمت العمدة.
وفي زمن تتهم فيه بعض النخب بالانتقائية في الاستماع، يمكن القول إن عمدة طنجة حقق إنجازاً ديمقراطياً نادراً ، تجاهل شامل لا يميز بين أحد.
لهذا ربما حان الوقت لتكريمه بجائزة خاصة من درجة فنان في زمن تم فيه تهميش الثقافة والفنون وذلك موضوع آخر .
فالرجل دون شك، يعطي دروساً عملية في مدرسة جديدة من التدبير ، مدرسة يمكن ان يطلق عليها اسم “الصمت الصلب” حيث لا تعكر الانتقادات صفو المسؤول، ولا تهز الحفر تحت العجلات قناع الهدوء.
وإذا كان البعض يرى في ذلك تجاهلاً لمشاكل المدينة، فربما نحن لم نفهم الفكرة بعد ، فالفن العظيم غالباً ما يساء فهمه في البداية ، وربما بعد سنوات سيدرس الطلبة في كليات السياسة تجربة طنجة باعتبارها نموذجاً متقدماً في فن إدارة الضجيج…
يتبع
