افتتاحية

“تجارة العار” من يوقف زحف المخدرات نحو الضفة الأخرى

“مرة أخرى، كلب مدرَّب يحبط محاولة تهريب كمية ضخمة من الحشيش عبر أحد الموانئ الشمالية”…

“الدرك الملكي يجهض عملية تهريب مخدرات على شاطئ مهجور بالقرب من الفنيدق”…

“الجمارك تحجز قارباً سريعاً محملاً بأطنان من الرزينة المحظورة”…

أخبار تتكرر، بصيَغٍ مختلفة، على لسان البلاغات الأمنية أو عبر صور منشورة لصفوف متراصة من الرزم الملفوفة بالبلاستيك، تحمل أرقاماً، وتُعرض كغنائم حرب في قاعات الصحافة. لكن ما لا يُقال كثيرًا، هو ما يقع قبل هذه اللحظة.

من أين تبدأ القصة؟

بحسب عدد من الباحثين في قضايا التهريب العابر للحدود، فإن العملية لا تبدأ من الشاطئ، بل من داخل اليابسة ، من ضيعات معزولة، أو مخازن مموهة داخل مناطق فلاحية أو بضواحي المدن ، هناك تُهيأ الشحنات، وتُغلف بعناية فائقة، وتعد بأرقام تسلسلية وتشفيرات يعرفها فقط أصحاب “السلعة”.

يتم تنسيق التحركات عبر طبقات من الوسطاء، وينتقى السائقون وأصحاب القوارب بدقة، مع تمويه المسارات، وخلق “ممرات وهمية”، لتفادي المراقبة.

كيف تنجح عمليات التهريب رغم الحصار الأمني؟

يؤكد مصدر أمني سابق -رفض الكشف عن اسمه- أن المهربين “يتصرفون بعقلية شركات دولية”، حيث يستثمرون في التكنولوجيا والخضر والفواكه والالات الكهربائية والعديد من الانشطة التجارية التي تحتاج الى شاحنات وتحميل  ويعتمدون على ما يُعرف بـ”الخطة ب”، بل حتى “الخطة ج” في بعض الأحيان.

فشل شحنة واحدة لا يعني شيئاً، بقدر ما يُعتبر “ثمن المخاطرة”، ما دامت شحنات أخرى تمرّ دون أن يلتفت إليها أحد.

لكن السؤال الأكثر إحراجاً ، هل يتم ذلك دون تواطؤ؟

هنا يصمت الجميع. فحالات متفرقة، ظهرت في تقارير قضائية، كشفت عن تورط عناصر أمن أو جمركيين أو منتخبين محليين، كانوا يُسهلون مرور الشحنات مقابل مبالغ مالية أو حماية معينة ، لكن هذا لا يعني ان نفند الجهود الكبيرة التي تقوم بها المؤسسات الامنية سواء التابعة لحرس الحدود او رجال الدرك الملكي او الامن الوطني ، حيث ومن خلال اليقظة التي يتميزون بها استطاعوا افشال عدد كبير من المحاولات لتهريب الحشيش او محاولات للهجرة السرية ، مخاطرين في الكثير من الاحيان بحياتهم وصحتهم .

بين التخزين والعبور… ميناء “الأمل واليأس”

الموانئ، خاصة الواقعة شمال المغرب، مثل ميناء طنجة المتوسط أو الميناء القديم بسبتة، تحولت إلى نقاط ساخنة في حرب المخدرات.

فهناك تُخزّن الشحنات الأخيرة في مستودعات قريبة، أو تُحمّل داخل شاحنات مُعدَّة بطرق متقنة (أرضيات مزدوجة، خزانات مزيفة، إلخ).

لكن المثير أن عددًا من الشحنات لا تكتشف إلا بفضل صدفة ، كلب جمركي يصر على النباح، أو جهاز سكانير يلتقط اختلافًا في الكثافة، أو أحيانًا، “وشاية” من شخص غاضب من داخل الشبكة.

هل حان وقت الاجتثاث؟

سمعة المغرب، كبلد عبور للمخدرات، بدأت تُثقِل كاهله في تقارير دولية، خصوصًا عندما تُربط هذه العمليات بالعنف والجريمة المنظمة العابرة للحدود خصوصا ونحن على اهبة الاستعداد لاحتضان تظاهرات قارية وعالمية كبرى.

فالمسألة لم تعد فقط تتعلق بتجارة ممنوعة، بل بشبكة من الفساد، والتمويل غير المشروع، وتدمير صورة بلد يسعى إلى التنمية والاستثمار.

 السعي لحلحلة هذه المعضلة :

يقول خبير في القانون الجنائي: “نحن بحاجة إلى مقاربة شاملة، لا تكتفي بالردع، بل تبدأ بالتطهير الداخلي، مرورًا بتعزيز المراقبة التقنية، وتحديث منظومة العدالة، وتكثيف التعاون الدولي، وانتهاءً بمحاربة الأسباب الاجتماعية التي تُغذي هذه الشبكات”.

لم يعد يكفي أن نحجز ونصفف الرزم في صور “تفرح الرأي العام مؤقتا” ، بل يجب على المؤسسات ان تبحث عن جواب صريح مرفوقا باجراءات حازمة وصارمة  لتحديد ومعاقبة المسؤولين عن هذه السلسلة الطويلة من التغاضي والصمت ، والعمل على اكتشاف كل المخازن التي تأوي هذه التجارة والنيل من المشاريع المعدة لتبييض هؤلاء التجار.

فإلى متى سنبقى نفاجأ بـ”كلب جمركي” او “جهاز سكانير” يكتشف ما هو موجود سلفاً ويتم اعداده وتخزينه وتحميله قبل ان يصل الى اخر نقطة للتهريب .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.