“غيثة عصفور” بين مطرقة القانون وسندان التشهير

بقلم : يوسف المنصوري

لم تكن حادثة اقتحام شقة بمدينة الدار البيضاء مجرد واقعة عادية في سجلات الأمن، بل تحوّلت إلى ما يشبه “محاكمة علنية” فوق منصات الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، حيث جرى تسليط الأضواء على اسم وصورة الفنانة المغربية غيثة عصفور، في تجاهل تام لبقية الأطراف المعنية بنفس الملف.

فبينما يفترض أن يكون القانون هو الفيصل الوحيد في مثل هذه القضايا، أُقحِمَت سمعة الفنانة في معركة إعلامية قاسية، قُدّمت فيها كـ”بطلة الفضيحة الكبرى”، وكأنها وحدها من تتحمل وزر الواقعة. هكذا تمّ نشر صورها والتشهير بها على نطاق واسع، في الوقت الذي ظلت هوية الرجل الموقوف والسيدة الأخرى بعيدة عن التداول، وهو ما يطرح تساؤلات جوهرية حول ازدواجية المعايير في معالجة مثل هذه القضايا.

القانون الجنائي المغربي واضح في هذا الباب: الزوج يُتابَع بتهمة الخيانة الزوجية (الفصل 491)، والمرأتان بتهمة الفساد (الفصل 490). الجميع إذن أمام نفس المسطرة، لكنّ الإعلام والرأي العام اختارا أن يسلطا سهامهما على طرف واحد وهي الفنانة “عصفور” فهل لأنها امرأة؟ أم لأنها شخصية عامة؟

بعيدًا عن الجانب القانوني، ما تتعرض له غيثة عصفور هو انتهاك صارخ لحقها الدستوري في الكرامة والحياة الخاصة. فالأصل في الإنسان هو قرينة البراءة، وأي تشهير أو إدانة مسبقة قبل صدور حكم قضائي نهائي يُعتبر اعتداءً سافراً على حقوقها. الأخطر أن هذا التشهير يهدد مسارها المهني وحياتها الشخصية، ويضعها في مواجهة ضغوط اجتماعية ونفسية قد تكون أشد وطأة من الحكم القضائي نفسه.

إن ما يعيشه المجتمع المغربي اليوم أمام هذه القضية هو اختبار حقيقي لاحترام المساواة أمام القانون. فإذا كان الهدف من المسطرة الجنائية هو إنصاف المظلوم وتحقيق العدالة، فإن التوظيف الإعلامي السلبي والانتقائي يجعل من القانون مجرد ستار، ويحوّل الفضاء العام إلى محكمة افتراضية تُصدر أحكامها دون أدلة ولا ضمانات.

إن التضامن مع الفنانة غيثة عصفور والدعوة الى ايقاف هذا الجرم الخطير ليس بدفاع عن “الفضيحة” كما سيروج البعض، بل انتصارا لحق اي مواطن مغربي في المحاكمة العادلة والعيش بكرامة، بعيداً عن المقصلة الإعلامية التي نصبتها لها بعض المنابر والمنصات. فاليوم هي غيثة، وغداً قد تكون أي امرأة أخرى في نفس الوضعية، ضحية مجتمع لا يرحم، وإعلام لا يتردد في صناعة “كبش فداء” لإشباع فضوله الجماعي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.