هيئة التحرير :
في خضم التحضيرات المتسارعة لاستضافة كأس العالم 2026، التي ستشهدها كل من كندا والولايات المتحدة والمكسيك، تتصاعد التحذيرات من أن هذا الحدث الرياضي العالمي لا ينبغي أن يُنظر إليه على أنه مجرد تظاهرة كروية، بل كـ “أزمة أمن قومي محتملة” تتطلب استعدادات استثنائية. هذا ما أكده الكاتب روبسون في مقال نشره الموقع الإلكتروني الكندي “Western Standard”، مسلطًا الضوء على التحديات اللوجستية والأمنية المعقدة التي تواجه الدول المستضيفة. وشدد روبسون على أن تأمين هذا الحدث يتجاوز حماية الملاعب ليشمل التنسيق الاستخباراتي، والأمن السيبراني، وإدارة الحدود الدولية تحت ضغط هائل.
في هذا السياق، برز المغرب كـشريك أمني استراتيجي للولايات المتحدة، وهو ما يعكس تحولًا لافتًا في ديناميكيات التعاون الأمني الدولي. ففي يناير الماضي، كشف منشور رسمي للسفارة الأمريكية بالمغرب عن زيارة قام بها وفد رفيع المستوى من مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) إلى المملكة . كان الهدف من هذه الزيارة هو الاطلاع على التحضيرات الأمنية المغربية الخاصة بكأس أمم إفريقيا (كان 2025)، وذلك في إطار شراكة واسعة لإنفاذ القانون بين البلدين. وقد أتاحت هذه الزيارة لوفد الـ FBI، الذي ضم دوغلاس أولسون وكيفن كوالسكي، فرصة لمعاينة الأنظمة الأمنية المغربية المتطورة، بما في ذلك نشر 6000 كاميرا محمولة، وتقنيات إدارة الحشود، ومراقبة الدرونات، والتنسيق الفعال بين الوحدات الأمنية المختلفة .
توج هذا التعاون بتأكيد مشاركة المغرب في “فريق عمل البيت الأبيض” الخاص بكأس العالم لكرة القدم 2026، أو ما يُعرف بالمركز الدولي للتعاون الشرطي (IPCC) . ويهدف هذا الفريق إلى تعزيز التعاون الأمني للبطولة المقبلة، مما يعكس توجه واشنطن نحو بناء شراكات عملياتية مبكرة تتجاوز الدوائر التقليدية المعتادة، اعترافًا بالخبرة المغربية المشهود لها دوليًا. ويُعد المغرب الدولة الإفريقية والعربية الوحيدة التي تم اختيارها للمشاركة في هذا الجهد الأمني الدولي، مما يؤكد الثقة الكبيرة التي توليها الولايات المتحدة لقدرات المملكة في هذا المجال.
تستند هذه الثقة إلى سجل المغرب الحافل في تأمين الأحداث الكبرى. فقد قدمت تجربة مونديال قطر 2022 نموذجًا مشابهاً، حيث وقع المغرب وقطر آنذاك إعلانًا مشتركًا لتبادل المعلومات المتعلقة بالبطولة، مع تقارير أكدت مساهمة المغرب بفعالية في الدعم الاستخباراتي والأمن السيبراني . ويؤكد هذا النمط أن الحكومات التي تستعد لأحداث رياضية كبرى تسعى لتحديد الخبرات المفيدة مبكرًا والعمل بها قبل ذروة الضغط. كما أن نجاح المغرب في تأمين كأس أمم إفريقيا 2025، والذي اعتبره الأمريكيون “بروفة” ناجحة، عزز من مكانته كنموذج يحتذى به في التخطيط الأمني للفعاليات الرياضية الكبرى.
بالنسبة لكندا والدول المستضيفة الأخرى، فإن الدرس المستفاد يتجاوز حماية المدرجات؛ إذ يتطلب المونديال مؤسسات قادرة على ربط الاستخبارات، والعمل الشرطي، والتخطيط للتنقل، وعمليات الحدود في نظام متماسك يصمد أمام التحديات. وبينما بدأت أوتاوا وتورنتو وفانكوفر في تعديل الميزانيات والقواعد، يبرز التنسيق مع واشنطن ومكسيكو سيتي والشركاء الدوليين كالمغرب كخطوة عملية وحاسمة لضمان سلامة هذا العرس الكروي العالمي ، إن الخبرة الأمنية المغربية، التي تمتد من تأمين الأحداث القارية إلى المشاركة في لجان أمنية دولية رفيعة المستوى، تُشكل الآن صمام أمان حيويًا في معادلة الأمن المعقدة لمونديال 2026.
