يوسف المنصوري :
تعد القوانين الانتخابية المرآة التي تعكس رغبة الدولة في تجويد ممارساتها الديمقراطية، ومن هذا المنطلق، تأتي التعديلات القانونية الأخيرة التي حملتها الجريدة الرسمية لتضع حداً فاصلاً بين عهد الممارسات التقليدية وعهد الحزم الرقمي والقانوني. إن المتأمل في بنود هذه النصوص يدرك أن المشرع لم يعد يكتفي بمراقبة صناديق الاقتراع في لحظتها المادية، بل مد أذرع الرقابة لتشمل الفضاءات الافتراضية والمنصات الرقمية، مدركاً أن الجريمة الانتخابية قد تطورت أدواتها لتصبح أكثر تعقيداً وتأثيراً على وعي الناخب.
تتصدر المادة 51 مكررة المشهد الزجري الجديد، حيث أحدثت ثورة في مفهوم “حماية الحقيقة” من خلال تجريم استخدام الذكاء الاصطناعي والأنظمة المعلوماتية لتزييف الواقع. إن معاقبة بث أو توزيع تركيبات صوتية أو صورية مفبركة بالحبس الذي يصل إلى خمس سنوات، ليست مجرد عقوبة عابرة، بل هي رسالة حازمة ضد “الاغتيال المعنوي” للمنافسين وتضليل الرأي العام بأخبار زائفة. هذا التوجه يعكس وعياً عميقاً بأن الصورة أو التسجيل الصوتي المفبرك قد يغير مسار نتائج انتخابية برمتها في غضون ثوانٍ، مما استدعى وضع سد منيع يحمي الحياة الخاصة للمترشحين ونزاهة العملية في آن واحد.
وفي سياق متصل، أعاد القانون صياغة المفاهيم المتعلقة بالمال السياسي والضغط النفسي عبر المادتين 62 و63، حيث تم تشديد الخناق على كل من يحاول تحويل الصوت الانتخابي إلى سلعة تجارية. إن العقوبات السجنية المشددة التي تطال المرتشين والوسطاء، وحتى أولئك الذين يمارسون الترهيب أو التهديد بفقدان الوظيفة أو الإضرار بالممتلكات، تهدف إلى خلق بيئة انتخابية “نظيفة” يتحرر فيها الناخب من سلطة المال ومن خوف الانتقام. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل إن المادة 40 قطعت الطريق على “الدعاية العابرة للحدود” بمنع الإعلانات الانتخابية المؤدى عنها في المنصات الأجنبية، لضمان سيادة القرار الوطني وحماية الحقل السياسي من أي تأثيرات مالية غير خاضعة للرقابة المؤسساتية.
إن هذه المنظومة القانونية، بما تحمله من غرامات مالية ثقيلة وعقوبات سالبة للحرية، تضع الإدارة والموظفين العموميين أيضاً أمام مسؤولياتهم التاريخية، حيث شددت المادة 42 على واجب الحياد المطلق، معتبرة أن أي انحياز أو استمالة للناخبين من طرف أعوان الإدارة هو إخلال جسيم يستوجب العقاب. في المحصلة، نحن أمام هندسة قانونية متكاملة تسعى للانتقال من الديمقراطية الشكلية إلى الديمقراطية المحصنة، حيث تظل كفاية هذه النصوص رهينة بمدى صرامة التنزيل القضائي وبقدرة المجتمع على استيعاب أن النزاهة الانتخابية ليست مجرد خيار سياسي، بل هي التزام قانوني وأخلاقي يضمن استقرار المؤسسات ومصداقيتها.
