افتتاحية

هل يدفع “محمد عكوري” ثمن التغيير داخل المنظومة الصحية

هيئة التحرير :

يشهد المشهد الصحي بالمدينة خلال الفترة الأخيرة نقاشاً متصاعداً حول أداء مدير المجموعة الصحية، محمد عكوري، وذلك منذ تعيينه على رأس هذا القطاع الحيوي. فقد تعددت الانتقادات الموجهة إليه، وتنوعت مصادرها بين وسائل الإعلام، وبعض لوبيات الأطباء، إضافة إلى الهيئات النقابية، في سياق يعكس حيوية النقاش العمومي حول تدبير الشأن الصحي، لكنه يطرح في الوقت ذاته تساؤلات مشروعة حول خلفيات هذه الانتقادات ومدى ارتباطها بالواقع الميداني.

لا يمكن إنكار أن القطاع الصحي بطبيعته يظل مجالاً حساساً، تتقاطع فيه رهانات اجتماعية وإنسانية ومهنية، ما يجعل أي تغيير أو إصلاح عرضة للتدقيق والمساءلة، بل وأحياناً للمقاومة. غير أن المتتبع الموضوعي يلاحظ أن الفترة التي أعقبت تولي محمد عكوري لمهامه عرفت تحولات ملموسة، خاصة على مستوى عدد من المراكز الصحية التي يشرف عليها بشكل مباشر، سواء من حيث تحسين جودة الخدمات، أو تنظيم العمل، أو تعزيز حضور الأطر الصحية.

ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، فإن حدة الانتقادات تطرح أكثر من علامة استفهام. فهل تعكس هذه المواقف فعلاً اختلالات جوهرية في التدبير ،أم أنها تعبير عن صراع مصالح أو رفض لتغييرات تمس بعض التوازنات القائمة داخل المنظومة الصحية ،خصوصاً وأن بعض الانتقادات تأتي في سياق يوحي بعدم وضوح البدائل أو غياب تقييم موضوعي مبني على معطيات دقيقة.

علماً أن بعض الانتقادات التي توجهها الحركات النقابية ترتبط أساساً بالالتزامات التي تقع على عاتق وزارة الصحة، حتى قبل تأسيس المجموعة الصحية، وهو ما يستحيل تحقيقه من طرف هذه الأخيرة في غياب المراسيم المنظمة الصادرة عن وزارة الصحة أو الحكومة. ومن بين الأمثلة على ذلك، مرسوم الحركة الانتقالية ومرسوم التعويضات عن البرامج الصحية.

إن الإصلاح في القطاع الصحي لا يمكن أن يتم دون كلفة، سواء كانت مهنية أو تنظيمية. وغالباً ما تصطدم محاولات التغيير بمقاومة من أطراف اعتادت على أنماط تدبير معينة. لذلك، يصبح من الضروري التمييز بين النقد البناء الذي يهدف إلى تحسين الأداء، وبين الانتقاد الذي قد تحركه اعتبارات ضيقة أو حسابات غير مرتبطة بالمصلحة العامة.

من جهة أخرى، يظل من حق الإعلام والنقابات والمهنيين التعبير عن آرائهم وانتقاداتهم، بل إن ذلك يشكل ركيزة أساسية في أي منظومة ديمقراطية تسعى إلى الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة. غير أن هذا الحق يقابله واجب التحري والدقة، وتقديم تقييمات متوازنة تأخذ بعين الاعتبار مختلف جوانب الواقع، بما فيها الجهود المبذولة والتحديات القائمة.

في هذا السياق، يبدو أن المرحلة الحالية تستدعي نقاشاً أكثر هدوءاً وموضوعية، ينطلق من تقييم حقيقي للوضع الصحي بالمدينة، بعيداً عن التشنج أو الأحكام المسبقة. كما تقتضي فتح قنوات تواصل فعالة بين مختلف الفاعلين، من إدارة وأطر طبية ونقابات وإعلام، بهدف توحيد الجهود لخدمة المواطن، الذي يظل المستفيد الأول والأخير من أي اصلاح.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.