هيئة التحرير :
في مدينة طنجة، التي تعرف نمواً عمرانياً وديموغرافياً متسارعاً، لم تعد حوادث السير مجرد ظاهرة عرضية، بل أزمة حقيقية تتفاقم يوماً بعد يوم، مخلفة خسائر بشرية ومادية جسيمة. ورغم خطورة الوضع، يظل أداء الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية محلياً دون مستوى التحديات، ما يطرح أكثر من علامة استفهام حول جدوى المقاربة المعتمدة.
لقد اختزلت اللجنة دورها في أنشطة مناسباتية محدودة الأثر، وعلى رأسها الاحتفال باليوم الوطني للسلامة الطرقية، إلى جانب حملات إعلانية ممولة تفتقر في الغالب إلى الإبداع والتأثير الفعلي. هذا النمط التقليدي لم يعد فقط غير كافٍ، بل أصبح يعكس نوعاً من العجز عن مواكبة تعقيد الظاهرة. فالأرقام لا تكذب، والواقع الميداني يؤكد أن هذه الجهود لم تُحدث أي تحول ملموس في سلوك مستعملي الطريق أو في تقليص عدد الحوادث.
إن الاستمرار في نفس الأسلوب، القائم على التحسيس الشكلي والخطاب المكرر، يعد هدراً للوقت والمال العام، ويطرح بجدية مسألة غياب رؤية استراتيجية واضحة ومبنية على معطيات علمية دقيقة. فالسلامة الطرقية لا تُعالج بملصقات وشعارات موسمية، بل بسياسات عمومية متكاملة تدمج التربية، والمراقبة، وتحسين البنية التحتية، وتغيير السلوكيات على المدى الطويل.
في هذا السياق، يصبح من الضروري توجيه نقد صريح للمسؤولين عن هذا الملف، والدعوة إلى مراجعة جذرية لأسلوب عمل اللجنة على المستوى المحلي. كما أن المسؤولية لا تقع فقط على التمثيليات المحلية، بل تمتد إلى الوكالة الوطنية في المركز، التي يُفترض أن تقود التغيير وتفرض نماذج ناجعة للتدخل.
وعليه، فإن المطلوب اليوم هو تدخل مركزي حازم لإعادة هيكلة عمل اللجنة بمدينة طنجة، عبر تبني مقاربة جديدة تقوم على إشراك الجامعات والباحثين، وفتح نقاش عمومي علمي جاد، والنزول إلى الفضاءات العامة والمؤسسات التعليمية بدل الاكتفاء بالمقاربات المكتبية. كما يجب اعتماد آليات واضحة لتقييم الأثر، وضمان الشفافية في تدبير الموارد.
إن ما يحدث في طنجة لم يعد يحتمل المزيد من الانتظار أو الحلول الترقيعية. فإما أن تتحرك الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية بجرأة لإحداث قطيعة مع الأساليب الفاشلة، أو أن تستمر المدينة في دفع ثمن غياب سياسة طرقية فعالة. اليوم، لم يعد المطلوب حملات جديدة، بل تغيير جذري يعيد الاعتبار لسلامة المواطن كأولوية قصوى، لا كمجرد شعار .
