هيئة التحرير :
أثار اعتماد اللوائح الجهوية المخصصة للنساء نقاشات واسعة في المشهد السياسي المغربي، بين من اعتبرها آلية دستورية لضمان التمثيلية وكسر الهيمنة الذكورية على المؤسسات التشريعية، ومن راقب بحسرة تحولها تدريجياً إلى “ريع حزبي” وعائلي. فبعد أن كانت هذه الكوطا مكتسباً نضالياً انتزعته أسماء نسائية دافعت باستماتة عن قضايا المجتمع تحت قبة البرلمان، تحولت في محطات عديدة إلى ممر سري لتزكية الزوجات والبنات والأخوات ، بعيداً عن أي مسار نضالي أو كفاءة سياسية.
تأسست فكرة اللوائح المخصصة للنساء في الأصل كضرورة ملحة لتدارك النقص الحاصل في التمثيلية النسائية، ولضمان حضور أصوات النساء وقضاياهن في غرفتي البرلمان. وقد أثبتت العديد من البرلمانيات اللواتي ولجن المؤسسة التشريعية عبر الاستحقاقات المحلية أو بفضل مسارهن النضالي الطويل، كفاءة عالية أحياناً تتفوق على أداء زملائهن الرجال.
لكن الملاحظ، مع تكرار التجارب الانتخابية، هو بروز ظاهرة تسييد منطق القرابة على حساب الاستحقاق. إذ تحولت بعض اللوائح الجهوية، بفعل حسابات كواليس الأحزاب، إلى “محميات عائلية” تستفيد منها زوجات وبنات قيادات حزبية وأعيان محليين. هذا التحول خلق مفارقة صارخة ، نساء مناضلات أكل الدهر عليهن وشرب في ساحات النضال الحزبي والمجتمعي يقصين بهدوء، وفي المقابل وجوه شابة أو مرتبطة برابطة الدم والزواج تجد نفسها في صدارة المشهد البرلماني دون سابق معرفة بهموم المواطنين أو أبجديات التشريع والمراقبة.
لم يقف الأمر عند حدود ر الريع السياسي وتوزيع المقاعد على مقاس الولاءات العائلية، بل امتد ليتخذ أبعاداً سوسيولوجية مثيرة للقلق على منصات التواصل الاجتماعي. فمع الإعلان عن النتائج، تحولت فضاءات التفاعل الرقمي إلى منصات لاستعراض الولاءات الشخصية والعائلية عبر تعليقات وصور من قبيل “حسناء في البرلمان”، “بنت أبوها مع قدوتها”، و”زوجتي وأفتخر”.
هذا الخطاب الاستعراضي، المصحوب أحياناً بحملات مدفوعة الأجر، يفرغ المؤسسة التشريعية من رمزيتها الدستورية والسياسية، ويختزل صفة “النائبة البرلمانية” في مجرد موقع وجاهة عائلي. وهو مشهد يغذي شعوراً عاماً بالامتعاض واليأس لدى قطاع واسع من المواطنين والشباب المراهنين على السياسة كأداة للإصلاح والتغيير، لا كمنصة للتباهي الاجتماعي وتوريث المواقع.
