هيئة التحرير :
يشهد النقاش السياسي بمدينة طنجة في الآونة الأخيرة حالة من الجدل، بعد ترويج بعض المواقع الاخبارية لإمكانية ترشح أحد المنتخبين السابقين للاستحقاقات التشريعية المقبلة، رغم صدور حكم قضائي ابتدائي واستئنافي في حقه يقضي بالعزل، على خلفية اختلالات تم تسجيلها في تدبير إحدى المقاطعات، وذلك بناءً على دعوى رفعتها وزارة الداخلية في شخص والي الجهة.
هذا الجدل، الذي يتم تقديمه أحيانًا وكأنه مسألة خلافية أو قابلة للتأويل، يجد جوابه الحاسم في الاجتهاد الدستوري الأخير، الذي وضع حدًا لأي لبس بخصوص شروط الأهلية الانتخابية.
فقد أصدرت المحكمة الدستورية قرارها رقم 259/25 بتاريخ 24 دجنبر 2025، وهو قرار يكتسي أهمية خاصة لكونه تناول بشكل مباشر مسألة الأهلية للترشح، في ضوء التعديلات المدخلة على القوانين التنظيمية ذات الصلة. هذا القرار لم يترك مجالًا للاجتهاد أو التأويل، إذ أكد بشكل صريح أن الأشخاص الذين صدر في حقهم حكم بالعزل من مسؤولية انتدابية لا تتوفر فيهم شروط الترشح لعضوية مجلس النواب، باعتبار أن هذا النوع من الأحكام يرتب فقدان الأهلية الانتخابية.
الأهمية الكبرى في هذا القرار لا تقف عند هذا التأكيد فقط، بل تمتد إلى مسألة طالما شكلت منفذًا لتأويلات مغلوطة، وهي مسألة الطعن بالنقض. إذ أوضحت المحكمة الدستورية بشكل واضح أن طلبات النقض أو إعادة النظر لا توقف الآثار القانونية للأحكام النهائية التي يترتب عنها فقدان الأهلية الانتخابية. بمعنى آخر، فإن مجرد ولوج الملف مرحلة النقض لا يعيد للشخص المعني حقه في الترشح، ولا يوقف آثار الحكم القاضي بالعزل، وهو ما يقطع مع الاعتقاد السائد بأن الطعن يمكن أن يفتح باب المشاركة الانتخابية مؤقتًا.
هذا التوجه يجد سنده في فلسفة دستورية واضحة، تقوم على حماية نزاهة العملية الانتخابية وضمان مصداقيتها، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وهي مبادئ أقرها الدستور بشكل صريح. فالسماح لشخص ثبتت في حقه اختلالات جسيمة أدت إلى عزله من مهمة انتدابية، بالعودة إلى التنافس الانتخابي فقط لكون الحكم لم يستنفد جميع درجات التقاضي، من شأنه أن يمس بثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة، ويضرب في العمق مبدأ تخليق الحياة العامة.
وبالعودة إلى الحالة التي يتم تداولها بمدينة طنجة، فإن المعطيات القانونية تبدو واضحة ولا تحتمل التأويل. فالمعني بالأمر صدر في حقه حكم ابتدائي واستئنافي بالعزل، وهو ما يجعله، وفق منطوق وروح قرار المحكمة الدستورية، فاقدًا للأهلية الانتخابية، بصرف النظر عن كونه لجأ إلى الطعن بالنقض. وبالتالي، فإن أي حديث عن إمكانية ترشحه في الانتخابات المقبلة لا يجد له سندًا في القانون، بل يتعارض بشكل مباشر مع الاجتهاد الدستوري الحديث.
إن ما كرسه قرار المحكمة الدستورية يتجاوز الحالة الفردية، ليؤسس لمرحلة جديدة في تدبير الشأن الانتخابي، عنوانها الصرامة في تطبيق معايير النزاهة وربط المسؤولية بالمحاسبة، وعدم التساهل مع من ثبتت في حقهم اختلالات في تدبير الشأن العام. وهو ما يعني أن شروط الترشح لم تعد مجرد إجراءات شكلية، بل أصبحت مرتبطة بشكل وثيق بالسلوك التدبيري ومدى احترام قواعد الحكامة الجيدة.
