افتتاحية

“طنجة” المدينة التي خانها عمرانها

هيئة التحرير |

في الوقت الذي كان من المفروض على مهندسي مدينة طنجة، ومن يقفون خلف تنزيل المشاريع والمخططات العمرانية، أن يدركوا الإمكانيات السياحية الهائلة التي تزخر بها المدينة، سواء من حيث موقعها الطبيعي أو مؤهلاتها الاقتصادية والخدماتية، نجد أن الرهان لا يزال منصبًا على تشييد الأبراج الشاهقة والعمارات ناطحة السحاب، وكأن الجمال لا يتحقق إلا بعلو الخرسانة.

شارع محمد السادس، الذي يعد الواجهة البحرية الرئيسية لطنجة، لم يعد قادرا على استيعاب كثافة الساكنة والزوار، حيث يتحول في ساعات الذروة، خاصة بعد السابعة مساءً، إلى فضاء مكتظ يعج بالكلاكسونات وفوضى عبور المارة بين السيارات. ورغم هذا الوضع، لا تزال مشاريع سكنية جديدة تُطلق في نفس المنطقة، ستضيف مئات الشقق إلى هذا الفضاء الخانق.

وفي موازاة ذلك، يتواصل القضاء التدريجي على مختلف مظاهر التمدن بالأحياء الشعبية، بفعل تفشي البناء العشوائي وغياب أي تخطيط مسبق للمشاريع السكنية. وهو ما أدى إلى تحويل عدد من الأحياء إلى كتل إسمنتية متراصة، تغيب عنها الفضاءات الخضراء، وأبسط شروط الراحة وجودة العيش، وكأننا أمام أحياء فقدت روح المدينة، وباتت عاجزة عن منح سكانها أي إحساس بالحياة أو الانتماء إلى طنجة.

أسئلة عديدة تطرح نفسها بإلحاح ، ما مصير أصحاب العقارات القديمة المطلة على البحر .. والذين اقتنوا ممتلكاتهم بمبالغ ضخمة مستندين إلى ميزة الإطلالة ؟ كيف ستتأثر قيمة عقاراتهم بعد أن تُحجب عنهم رؤية البحر بفعل جدارات من الإسمنت (أبراج) ؟

وماذا عن الفضاءات الطبيعية المرتفعة التي كانت توفر مناظر بانورامية على البحر؟ هل كتب لها أن تُطمس تحت وطأة (التحديث) ؟

ألا كان من الأجدى توجيه هذه المشاريع العمرانية إلى المناطق الجديدة والناشئة داخل المدينة ؟ كالكورنيش الجديد بكزناية، أو المدينة الجديدة، أو الأحياء السكنية التي تحتاج إلى دفعة تنموية من خلال استثمارات عقارية ذكية.

تبقى الأسئلة معلقة في انتظار إجابات منطقية من مختلف الفاعلين .. طنجة اليوم تحتاج الى القطع مع الخرسان والاسمنت والتفكير في مقاربة شمولية متوازنة تحترم طبيعتها وجمالها التاريخي وتوزع التنمية بشكل عادل على جميع أحيائها ، فهذه الرؤية هي لب السياسة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد الشادس نصره الله من خلال مختلف المشاريع التنموية التي سهر على اطلاقها والاشراف على تدشينها كمشروع “طنجة الكبرى” .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.