افتتاحية

لحدود اللحظة بوزيدان والمزرياحي من يتوفرون على تزكية الترشح للبرلمان

هيئة التحرير :

في مشهدٍ يبدو للوهلة الأولى عادياً لكنه يحمل في طياته الكثير من الدلالات، تعيش مدينة طنجة، ومعها دائرة طنجة أصيلة، على إيقاع ارتباك سياسي واضح كلما اقترب موعد الانتخابات التشريعية. فعدد من الأحزاب لم يحسم بعد في مسألة من سيتحمل مسؤولية قيادة لوائحها، وهو تأخر لا يمكن قراءته فقط كاختلال تنظيمي عابر، بل كعلامة على أزمة أعمق تتعلق بطبيعة العمل الحزبي نفسه.

هذا الوضع يعكس، بشكل أو بآخر، غياب رؤية استراتيجية داخل هذه التنظيمات، حيث لم يعد بناء القيادات يتم عبر مسار نضالي أو كفاءة سياسية وفكرية، بل أصبح في كثير من الأحيان رهين اعتبارات ظرفية، أبرزها القدرة المالية أو ما يُصطلح عليه “موالين الشكارة”. وهنا تتحول العملية الانتخابية من تنافس برامج وأفكار إلى سباق حسابات ضيقة، مما يفرغ الفعل السياسي من مضمونه الحقيقي ويضعف ثقة المواطنين في المؤسسات التمثيلية.

إن الاعتماد على منطق الحظ واستقطاب الأعيان لا يعكس فقط ضعفاً في التأطير الحزبي، بل يكشف أيضاً عن عجز في إنتاج نخب قادرة على تمثيل تطلعات الساكنة والدفاع عن قضاياها بجدية ومسؤولية. فحين تغيب المعايير الواضحة للاختيار، يصبح المقعد البرلماني غاية في حد ذاته، لا وسيلة لخدمة الصالح العام.

وعلى النقيض من ذلك، نجد أن بعض الأحزاب، مثل حزب العدالة والتنمية وحزب التقدم والاشتراكية، اختارت منذ وقت مبكر الحسم في أسماء مرشحيها وقيادات لوائحها. هذا الحسم المبكر لا يعني بالضرورة الكمال، لكنه يعكس نوعاً من الانضباط التنظيمي والرغبة في تقديم صورة واضحة للناخبين، قائمة على الاستمرارية والوضوح بدل الارتجال والتردد.

غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في الإعلان المبكر عن الأسماء، بل في طبيعة هذه الاختيارات نفسها: هل تعكس كفاءة ونزاهة والتزاماً فعلياً بقضايا المواطنين ، أم أنها بدورها تخضع لتوازنات داخلية لا تختلف كثيراً عن باقي الأحزاب؟ هذا السؤال يظل مطروحاً بإلحاح، لأن الأزمة ليست فقط في التوقيت، بل في العمق.

إن المشهد السياسي في طنجة، كما في باقي المدن، في حاجة ماسة إلى إعادة الاعتبار للعمل الحزبي كفضاء لإنتاج الأفكار وتكوين النخب، لا كسوق موسمية تُفتح أبوابها كلما اقتربت الانتخابات. فبدون أحزاب قوية، ديمقراطية داخلياً، وقادرة على تجديد نخبها، سيظل العزوف الانتخابي يتفاقم، وستبقى الثقة في السياسة مهزوزة.

وفي النهاية، يبقى المواطن هو الحكم الأول والأخير. فإما أن يعاقب هذا السلوك الانتخابي القائم على المال والولاءات الضيقة، أو أن يكرّسه بالصمت أو اللامبالاة. وهنا تتقاطع مسؤولية الأحزاب مع وعي الناخب، لأن إصلاح الحياة السياسية لا يتم من طرف واحد، بل هو مسار جماعي يتطلب إرادة حقيقية للتغيير.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.