افتتاحية

الريش يكتب : الرياضة بين النزاهة والارتزاق،أي مستقبل للكفاءة؟

بقلم : ياسين الريش | (فاعل جمعوي وناشط رياضي)

في زمن تتزايد فيه الدعوات إلى الإصلاح وترسيخ مبادئ الشفافية والمحاسبة، يبرز تساؤل مقلق يتردد في الأوساط الجمعوية والسياسية والرياضية على حد سواء: لماذا يحارب المجتهد؟ ولماذا يقصى صاحب الغيرة والمبادرة؟ وكيف يتحول المشروع الإصلاحي إلى تهديد يجب تطويقه؟

هذا التساؤل يكشف عن ظاهرة متجذرة في العديد من المؤسسات، حيث لا يكافأ العمل الجاد، بل يقابل أحيانا بالتشكيك والعرقلة، في حين يمكن المتقاعسون والمتلاعبون، وتفتح أمامهم الأبواب على مصراعيها. في بيئات يغيب فيها منطق الكفاءة وتغيب فيها قيم النزاهة، يصبح الإصلاح خطرا، والعمل الجاد تهديدا لمعادلات قائمة على المصالح والولاءات.

المجتهد يحارب لأنه يكسر حالة السكون، ولأنه يذكر من حوله بتقصيرهم، ولأنه لا ينتمي إلى دوائر النفوذ الضيقة. في مؤسسات فقدت بوصلة الغاية، تتحول الغيرة الصادقة إلى خروج عن النص، وتفسر المبادرة على أنها محاولة للهيمنة أو إثبات الذات على حساب الجماعة، حتى وإن كانت في جوهرها تصب في مصلحة الجميع.

ويزداد هذا الواقع قتامة في المجال الرياضي، حيث يفترض أن تكون الساحة خالصة للمنافسة الشريفة وتكافؤ الفرص وتفجير الطاقات. غير أن الواقع يكشف، في بعض الحالات، عن وجه آخر للرياضة، وجه تتحكم فيه شبكات من المنتفعين الذين حولوا الأندية والجمعيات إلى أدوات للابتزاز والارتزاق.

في هذا السياق، يهمش المدرب الكفء، ويقصى الإطار الغيور، ويحاصر صاحب المشروع الجاد، فقط لأنه لا يساير لعبة المصالح أو يرفض أن يكون مجرد واجهة. يشيطن من يطالب بالمحاسبة، ويتهم بالخروج عن الصف من يدعو إلى إصلاح التسيير، وتفتعل ضده حملات لتشويه سمعته والتشكيك في نواياه.

الرياضة التي ينبغي أن تكون وسيلة لتأطير الشباب وبناء قيم المواطنة والانضباط، أصبحت، في بعض الأوساط، غنيمة يتقاسمها أصحاب النفوذ، وساحة لتصفية الحسابات وتوزيع الامتيازات، حيث لا صوت يعلو فوق منطق التحالفات الظرفية.

لكن، ورغم كل هذا، يبقى الأمل قائما. فما زال في الساحة من يؤمن بأن التغيير ممكن، وأن العمل النزيه لا يضيع، وأن الإصلاح – وإن تأخر – لا بد أن يجد طريقه. فالتاريخ لا يرحم المتخاذلين، ولا ينسى من بذل جهده بإخلاص.

إن المعركة اليوم ليست فقط ضد الفساد، بل من أجل بناء ثقافة جديدة تعلي من قيمة العمل، وتعطي للكفاءة مكانتها، وتكسر احتكار القرار داخل المؤسسات. فبدون هذه الثقافة، ستظل الرياضة وغيرها من المجالات رهينة لمعادلات غير عادلة، لا تنتج إلا الرداءة والاحتقان.

إن المطلوب ليس أكثر من بيئة تمنح لكل ذي حق حقه، وتفتح الطريق أمام أصحاب المشاريع الصادقة، ليشتغلوا في وضوح، ويحققوا ما تصبو إليه الجماعة من تنمية وعدالة ومصداقية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.