حين يتحول الخلاف السياسي إلى الابتزاز وانتهاك للخصوصية

هيئة التحرير :

رغم الاختلاف في وجهات النظر حول طريقة تدبير رئيس مقاطعة بني مكادة، محمد الحمامي، لبعض القضايا والأمور السياسية، فإن هذا الاختلاف لا يمكن أن يكون مبرراً بأي شكل من الأشكال للتجاوز على الحياة الخاصة أو تحويل المكالمات الشخصية إلى مادة للتسريب والنشر.

وتطرح واقعة تسريب مكالمة خاصة للحمامي مع أحد العاملين معه خلال الحملة الانتخابية نقاشاً أوسع من مضمون المكالمة نفسها، يتعلق بحدود الممارسة السياسية، وبالحق في الخصوصية، وبالوسائل التي أصبحت تُستخدم في تصفية الحسابات السياسية والشخصية.

فالمكالمات الخاصة تظل، في طبيعتها، فضاءً مختلفاً عن الخطاب العمومي. وفي الأحاديث الشخصية، قد يعبر الإنسان بعفوية، وقد يستخدم عبارات أو أساليب لا يلجأ إليها عندما يتحدث أمام الرأي العام أو في إطار رسمي. وهذا أمر طبيعي في التواصل بين الأفراد، ولا ينبغي اقتطاع الكلام من سياقه الخاص وتحويله إلى أداة للإدانة أو التشهير.

أما تسجيل مكالمة خاصة دون علم أصحابها، ثم تسريبها ونشرها، فهو مسألة أخرى تماماً، لأنها تمس جوهر الحق في الخصوصية، بصرف النظر عن مضمون المكالمة أو طبيعة الأشخاص المعنيين بها.

والأخطر من ذلك أن يتحول مثل هذا السلوك إلى ممارسة عادية في الحياة السياسية، حيث يصبح الحصول على تسجيلات خاصة وتسريبها وسيلة للضغط أو تصفية الحسابات أو التأثير على صورة الأشخاص أمام الرأي العام.

طنجة، التي عُرفت طويلاً بتنوعها وبعدد من القيم التي طبعت الحياة الاجتماعية والسياسية فيها، تحتاج اليوم إلى استعادة النقاش السياسي القائم على الاختلاف في الأفكار والبرامج والمواقف، وليس على كشف الحياة الخاصة للأفراد أو البحث عن مكالماتهم وتسريباتهم.

فالاختلاف السياسي مشروع، والنقد حق، والمساءلة حق للمواطنين ووسيلة أساسية لتصحيح الاختلالات. لكن هذه الحقوق لا تعني أن تصبح الخصوصية مباحة، أو أن تتحول المكالمات الشخصية إلى سلاح في المعارك السياسية.

وفي النهاية، تبقى القاعدة الأساسية هي أن القانون ينبغي أن يحمي حقوق جميع الأفراد، أياً كانت مواقعهم أو انتماءاتهم أو مواقفهم السياسية. فإذا كانت هناك شبهات أو مخالفات حقيقية، فهناك مؤسسات وقنوات قانونية لمعالجتها، أما انتهاك الخصوصية وتسريب الاتصالات الخاصة فلا ينبغي أن يصبح بديلاً عن القانون والمؤسسات.

المطلوب اليوم ليس الدفاع عن شخص بعينه، ولا تبرير مضمون مكالمة خاصة، وإنما الدفاع عن مبدأ أوسع ، وهو أن الاختلاف السياسي لا يسقط حق الإنسان في الخصوصية، وأن احترام القانون يجب أن يبدأ من احترام حقوق الجميع.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.