“عز الدين العلوي” الرجل الذي أمضى 14 سنة في قلب الملفات الحساسة بشمال المملكة

هيئة التحرير :

نادراً ما يترك المسؤولون الذين يعملون بعيداً عن الأضواء صوراً واضحة في ذاكرة المدن. يمرّون في صمت، وتبقى آثارهم موزعة بين ملفات مغلقة، وعمليات لم تصل تفاصيلها كاملة إلى الرأي العام، وهدوء أمني لا ينتبه إليه أحد إلا حين يختل. في طنجة، يبدو أن هذا هو المسار الذي اختاره عز الدين العلوي، المدير الجهوي لمراقبة التراب الوطني، وهو يغادر منصبه بعد أكثر من أربعة عشر عاماً قضاها على رأس المديرية، إثر إحالته على التقاعد الإداري عن سن ناهز 74 عاماً.

لم يكن العلوي من رجال الواجهة. اسمه لم يكن حاضراً في المناسبات العامة، وصورته ظلت نادرة التداول، شأنه في ذلك شأن طبيعة الجهاز الذي اشتغل داخله لعقود. غير أن غياب الظهور لا يعني غياب التأثير؛ ففي المؤسسات الأمنية، غالباً ما تُقاس المسؤولية بحجم الأزمات التي جرى احتواؤها قبل أن تتحول إلى وقائع معلنة، وبالملفات التي أُديرت بعيداً عن الضجيج، وبالقرارات التي لا تجد طريقها إلى العناوين.

من يعرفون الرجل عن قرب يصفونه بالتحفظ والهدوء والدقة. لم يكن ميالاً إلى الخطابات الطويلة، ولا إلى الحضور الاستعراضي، بل إلى الإنصات وجمع المعطيات قبل بناء المواقف. وبحسب معطيات متداولة عن فترة توليه المسؤولية، ارتكز أسلوبه على العمل الاستباقي، وتحليل المؤشرات الصغيرة، وربط المعلومات بين مختلف المصالح، مع إيلاء أهمية خاصة للتنسيق المؤسساتي.

هذه المقاربة اكتسبت في طنجة أهمية مضاعفة. فالمدينة ليست مجرد مركز حضري في شمال المملكة، بل نقطة التقاء بين قارتين، وممر بحري ذي حساسية استراتيجية، وفضاء تجاري وإنساني يعرف حركة متواصلة. الميناء، والمضيق، والقرب من أوروبا، واتساع المبادلات، كلها عوامل تجعل من المنطقة مجالاً تتقاطع فيه رهانات الأمن والهجرة والتهريب والجريمة المنظمة والتطرف العنيف. وفي مثل هذا السياق، لا تحتاج الوقائع الكبيرة دائماً إلى أحداث ضخمة كي تبدأ؛ فقد تنطلق من إشارة محدودة، أو اتصال عابر، أو حركة تبدو عادية قبل أن تكشف المعطيات أنها جزء من شبكة أوسع.

خلال السنوات الأخيرة، ارتبط اسم المديرية الجهوية لجهاز DST في طنجة بعدد من الملفات الأمنية البارزة. ففي ربيع عام 2023، جرى الإعلان عن تفكيك خلية موالية لتنظيم «داعش» بمدينة طنجة، تتكون من ثلاثة أشخاص، قيل إنهم كانوا يخططون لاستهداف منشآت حيوية وأمنية. وبعد فترة وجيزة، أُوقف شخص آخر للاشتباه في ارتباطه بالتطرف، في عملية عكست، وفق المعطيات المقدمة، أهمية العمل الاستخباراتي في رصد التحركات قبل انتقالها إلى مرحلة التنفيذ.

وفي خريف السنة نفسها، اتسعت دائرة الأبحاث لتشمل أربعة أشخاص ينشطون بين طنجة وتطوان وإنزكان وأيت ملول، للاشتباه في تحضيرهم لمشاريع ذات طابع إرهابي. أما مطلع عام 2024، فقد شهد تفكيك شبكة متخصصة في استقطاب مقاتلين وإرسالهم إلى مناطق نشاط التنظيم، مع امتداد خيوطها بين طنجة والدار البيضاء وبني ملال وإنزكان.

وتكشف هذه الملفات، بصرف النظر عن تفاصيلها القضائية، عن طبيعة التحديات التي واجهتها المصالح الأمنية في الشمال. فالمخاطر لم تعد مرتبطة بمدينة واحدة أو بخلايا تعمل داخل مجال جغرافي محدود؛ بل أصبحت الشبكات أكثر قدرة على الانتقال، واستعمال الوسائط الرقمية، وتوزيع الأدوار بين مدن متباعدة. لذلك صار جمع المعلومة وربطها في الوقت المناسب جزءاً حاسماً من معادلة الوقاية.

ولم يقتصر العمل المنسوب إلى المديرية على قضايا التطرف. ففي عام 2019، ساهم التنسيق مع المصالح الأمنية في فك لغز عملية سطو على وكالة بنكية بمدينة طنجة، نُفذت بطريقة بدت أقرب إلى مشاهد الأفلام. كما شهد يونيو 2026 واحدة من آخر العمليات البارزة قبل مغادرة العلوي منصبه، بعدما قادت معلومات استخباراتية إلى حجز نحو 700 كيلوغرام من مخدر الشيرا بضواحي المدينة، وتوقيف أربعة أشخاص يشتبه في ارتباطهم بشبكة للتهريب الدولي، في عملية مشتركة مع الدرك الملكي.

يفرض الموقع الجغرافي للمدينة أن يكون أمنها عابراً للحدود أيضاً. فالمضيق الذي يفصل طنجة عن الضفة الإسبانية لا يمثل مسافة بحرية فحسب، بل يختصر مسارات تجارية وبشرية وأمنية متشابكة. ومن هذا المنطلق، ظل التعاون مع إسبانيا عنصراً أساسياً في تدبير عدد من الملفات، خصوصاً تلك المرتبطة بالتطرف وشبكات التهريب والهجرة غير النظامية.

وقد سبق للشرطة الإسبانية أن نوهت، في أكثر من مناسبة، بمستوى التعاون الأمني مع نظيرتها المغربية. وأسفر هذا التعاون عن توقيف أشخاص موالين لتنظيم «داعش» داخل التراب الإسباني، في ملفات كشفت أن مواجهة التهديدات العابرة للحدود لا يمكن أن تنجح بجهد منفرد، مهما بلغت قدرات الأجهزة الوطنية.

لم يرافق مغادرة العلوي لمنصبه حفل وداع علني، ولم تُسجل له تصريحات إعلامية في نهاية مهمته. اختار أن يغادر بالطريقة نفسها التي عمل بها ،بعيداً عن الكاميرات، ومن دون تحويل المسار المهني إلى مناسبة للظهور.

غير أن الهدوء الذي يحيط بخروجه لا يلغي ثقل المرحلة التي قضاها في طنجة. فقد تولى مسؤولية منطقة تختصر، في جغرافيتها وحدها، جزءاً كبيراً من تعقيدات الأمن الوطني ، حدود بحرية، وميناء دولي، ومدينة مفتوحة على العالم، وشبكات إجرامية قادرة على التحرك بسرعة، وملفات إرهاب لا تعترف بالمسافات.

في النهاية، لا تُقاس حصيلة رجل اشتغل في الظل بعدد المرات التي ظهر فيها أمام الصحافة، بل بقدرته على إبقاء الأزمات خارج المشهد، وعلى جعل المدينة تواصل إيقاعها الطبيعي رغم ما يدور خلفه من مراقبة وتحليل وتنسيق. وقد يكون هذا بالضبط هو المعنى الأكثر دلالة لمغادرة عز الدين العلوي: نهاية صامتة لمسار أمني طويل، في مدينة لا تسمح طبيعتها بأن يتوقف العمل، حتى عندما يتغير الأشخاص الذين يقودونه.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.